فخر الدين الرازي

73

القضاء والقدر

أن ذلك إشارة إلى الأحكام واللوازم . وقد ثبت : أن الأشياء المختلفة في الماهيات ، لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد . فلم قلتم : أن جميع الأجسام بأسرها متساوية في ماهياتها . حتى يتم لكم ما ذكرتم ؟ سلمنا : أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية . لكن لم قلتم : « إن الأفراد المتساوية في تمام الماهية ، يجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر » ؟ بيانه : وهو أن تلك الأفراد ، وإن كانت متساوية في الماهية ، لكنها مختلفة في التشخّص والتعين . وإلا لكان كل واحد عين الآخر . وحينئذ لا يبقى التعدد . وإذا كان كذلك ، فلم لا يجوز أن يكون ذلك التعين شرطا لحصول ذلك الحكم ، في أحد الطرفين ، أو مانعا منه في الطرف الآخر ؟ . سلمنا : أن التعين ساقط الاعتبار ، لكن قولكم : « يصح على الشيء ما يصح على مثله » : منقوض بصور كثيرة : الأول : إن أفراد النوع الأخير متساوية في تمام الماهية . مع أن تعين هذا يمنع حصوله لذاك ، وتعين ذاك يمتنع حصوله لهذا . وإلا لصار هذا عين ذاك ، وذاك عين هذا . وكل ذلك محال فمحال أن يكون مقدور العبد مثل المقدور اللّه تعالى . ثم لم يلزم منه أن يكون مقدور العبد بحيث صح أن يكون مقدورا للّه تعالى - على مذهب المعتزلة - لأن عندهم مقدور واحد بين قادرين : محال . الثالث : إن مشايخ المعتزلة : مذهبهم : أن الذوات متساوية في كونها ذوات . وإنما يخالف بعضها بعضا لأجل اختصاص كل واحد منها بصفته الخاصة . فعلى هذا : ذات اللّه تعالى مساوية لسائر الذوات في الذاتية . ثم لم يلزم منه أن يصح على كل واحد من الذوات كل ما يصح على سائر الذوات . وإلا لزم أن يصح على ذات اللّه : الحدوث والإمكان ، والحاجة إلى المحل ، وأن يصح على ذوات المحدثات كونها قديمة ، واجبة الوجود . وكل ذلك محال . الرابع : إن صفة الوجود - عندهم - صفة واحدة . فيكون الوجود الحاصل في السواد والبياض : مساويا للوجود الحاصل في ذات اللّه . ولم يلزم الاستواء في جميع الأحكام . الخامس : عندهم العرض القائم بمحل يمنع حلوله في المحل الثاني « 1 » ، مع أن مثل ذلك العرض ، قد يكون قائما بالمحل الثاني . فههنا المتماثلات في تمام الماهية ، قد اختلفت في اللوازم . السادس : إن الإرادتين المعلقتين بالمراد الواحد ، على الوجه الواحد : مثلان . ثم إن

--> ( 1 ) قال الإمام الرازي في « محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين » : « اتفقوا على أن العرض الواحد يحل في محلين إلا أبا هاشم فإنه قال : التأليف عرض واحد حال في محلين ووافقنا أنه يستحيل قيامه بأكثر من محلين ، وجمع من قدماء الفلاسفة وزعموا أن الإضافة عرض واحد قائم بمحلين كالجوار والقرب » ( ص 163 ) . وانظر المباحث المشرقية للرازي رحمه اللّه أيضا ( 1 / 156 ) .